الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

106

مختصر الامثل

يمكن أن نستفيد من مجموع القرائن الموجودة في الآية أنّ المستفسرين سألوا عن حقيقة الروح الإنسانية ، هذه الروح العظيمة التي تميّز الإنسان عن الحيوان ، وقد شرّفتنا بأفضل الشرف ، حيث تنبع كل نشاطاتنا وفعالياتنا منها ، وبمساعدتها نكتشف أسرار العلوم . ولأنّ الروح لها بناء يختلف عن بناء المادة ، ولها أصول تحكمها تختلف عن الأصول التي تحكم المادة في خواصها الفيزيائية والكيميائية ، لذا فقد صدر الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء في جملة قصيرة قاطعة : « قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى » . ولكي لا يتعجب هؤلاء أو يندهشوا من هذا الجواب فقد أضافت الآية : « وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . حيث لا مجال للعجب بسبب عدم معرفتكم بأسرار الروح بالرغم من أنّها أقرب شيء إليكم . وفي تفسير العياشي عن زرارة عن الإمام الباقر والصادق عليهما السلام عن قوله تعالى « يَسَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ » قالا : « إنّ اللَّه تبارك وتعالى أحد صمد ، والصمد الشيء الذي ليس له جوف ، فإنّما الروح خلق من خلقه ، له بصر وقوّة وتأييد يجعله في قلوب الرسل والمؤمنين » . إنّ الروح الإنسانية لها مراتب ودرجات ، فتلك المرتبة من الروح الموجودة عند الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، هي في مرتبة ودرجة عالية جدّاً ، ومن آثارها العصمة من الخطأ والذنب وكذلك يترتب عليها العلم الخارق . وبالطبع فإنّ روحاً مثل هذه هي أفضل من الملائكة بما في ذلك جبرئيل وميكائيل . ( فتدبر ) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ( 86 ) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) ما عندك هو من رحمته وبركته : تحدثت الآيات السابقة عن القرآن ، أمّا الآيتان اللتان نبحثهما الآن فهما أيضاً ينصبّان في نفس الاتجاه . ففي البداية تقول الآية : « وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ » . وبعد ذلك : « ثُمَّ لَاتَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا » . إنّنا نحن الذين أعطيناك هذه العلوم حتى تكون قائداً وهادياً للناس ، ونحن الذين إذا شئنا استرجعناها منك ، وليس لأحد أن يعترض على ذلك . الآية التي بعدها جاءت لتستثني ، فهي تبيّن أنّنا إذا لم نأخذ ما أعطيناك ، فليس ذلك سوى رحمة من عندنا ، حيث يقول تعالى : « إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبّكَ » . وهذه الرحمة لأجل هدايتك وإنقاذك ، وكذلك لهداية وإنقاذ العالم البشري ، وهذه الرحمة مكمّلة لرحمة الخلق .